ابن الجوزي
327
القصاص والمذكرين
وقع ممّن فعله ومن مورده « 1 » إذا لم يفهم أنّه خطأ . قال ابن عقيل : وذلك مثل ما يروى أنّ أبا يزيد تراعنت عليه نفسه فحلف أن لا يشرب الماء سنة . ومثل ما ينقل أنّ امرأة نظر إليها رجل ، فقالت له : ما الذي أعجبك منّي ؟ فقال : عيناك . فدخلت بيتها وقلعت عينيها وأنفذتهما إليه في قرطاس . وإنّ قوما قيّروا أعينهم « 2 » حتّى لا ينظروا إلى زهرة الدنيا . فيبكي عند سماع هذه الأغمار الجهّال بالشرع ، ويحسبون ذلك مقاما من المقامات . ولو فطن الموردون لهذا أنّه طعن في العقل والدين لما سردوا هذه القبائح على الجهّال . ووجه القبح أنّ الهياكل والأنفس ملك للّه سبحانه وودائع عندنا . فلا يجوز لنا أن نضع عقوبة من قبل أنفسنا ولا نستوفيها منّا « 3 » . ويدلّ عليه أنّ إقامة الحدّ على نفس الإنسان بنفسه لا يجزي ، وإن فعله أعاده الأمام . فصل قال المصنّف : ومن القصّاص من يمضي أكثر مجلسه في العشق والمحبة ، وإنشاد الغزل الذي يحتوي على وصف المعشوق وجماله ، وشكوى ألم الفراق ، حتّى أنّي سمعت بعض القصّاص ينشد على المنبر : ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر * ولا تسقني سرّا فقد أمكن الجهر « 4 »
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، ولعلّ الأقرب للصواب : إذ . ( 2 ) أي طلوا أعينهم بالقار ( 3 ) قوله ( ولا نستوفيها ) كذا في الأصل . ولا يصح الكلام إلا أن يكون الفعل ( نستوفي ) معطوفا على ( نضع ) . فيكون المعنى : لا يجوز وضع العقوبة ولا استيفاؤها . واللّه أعلم . ( 4 ) البيت لأبي نواس من خمرية من خمرياته وهو في « ديوان أبي نواس » طبع المكتبة التجارية -